أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
160
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
« أل » عوضا من الضمير لما جمع بينهما ، وقد جمع بينهما ، قال النابغة : 298 - رحيب قطاب الجيب منها رفيقة * بجسّ النّدامى بضّة المتجرّد « 1 » فقال : الجيب منها ، وأمّا ما ورد وظاهره ذلك فيأتي تأويله في موضعه . قوله تعالى : كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ تقدّم الكلام في « كلّما » ، والعامل فيها هنا : « قالوا » ، و « منها » متعلّق ب « رزقوا » ، و « من » لابتداء الغاية وكذلك « من ثمرة » لأنها بدل من قوله « منها » بدل اشتمال بإعادة العامل ، وإنما قلنا إنّه بدل اشتمال ، لأنه لا يتعلّق حرفان بمعنى واحد بعامل واحد إلا على سبيل البدلية أو العطف . وأجاز الزمخشري أن تكون « من » للبيان ، كقولك : رأيت منك أسدا . وفيه نظر ، لأنّ من شرط ذلك أن يحلّ محلّها موصول وأن يكون ما قبلها محلّى بأل الجنسية ، وأيضا فليس قبلها شيء يتبيّن بها ، وكونها بيانا لما بعدها بعيد جدا وهو غير المصطلح . و « رزقا » مفعول ثان ل « رزقوا » وهو بمعنى « مرزوق » ، وكونه مصدرا بعيد لقوله : « هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها » والمصدر لا يؤتى به متشابها ، وإنما يؤتى بالمرزوق كذلك . قوله : « قالُوا : هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ » « قالوا » هو العامل في « كلما » كما تقدّم ، و « هذا الذي رزقنا » مبتدأ وخبر في محلّ نصب بالقول ، وعائد الموصول محذوف لاستكماله الشروط ، أي : رزقناه . و « من قبل » متعلّق به . و « من » لابتداء الغاية ، ولمّا قطعت « قبل » بنيت ، وإنما بنيت على الضّمة لأنها حركة لم تكن لها حال إعرابها . واختلف في هذه الجملة ، فقيل : لا محلّ لها من الإعراب لأنّها استئنافية ، كأنه قيل لمّا وصفت الجنات : ما حالها ؟ فقيل : كلما رزقوا قالوا . وقيل : لها محلّ ، ثم اختلف فيه فقيل : رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، واختلف في ذلك المبتدأ ، فقيل : ضمير الجنات أي هي كلما . وقيل : ضمير الذين آمنوا أي : هم كلما رزقوا قالوا ذلك . وقيل : محلّها نصب على الحال وصاحبها : إمّا الذين آمنوا وإمّا جنات ، وجاز ذلك وإن كان نكرة لأنها تخصّصت بالصفة ، وعلى هذين تكون حالا مقدّرة لأن وقت البشارة بالجنات لم يكونوا مرزوقين ذلك . وقيل : محلّها نصب على أنها صفة لجنات أيضا . قوله : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً الظاهر أنها جملة مستأنفة . وقال الزمخشري فيها : « هو كقولك : فلان أحسن بفلان ، ونعم ما فعل ، ورأى من الرأي كذا ، وكان صوابا ، ومنه : « وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة وكذلك يفعلون » « 2 » وما أشبه ذلك من الجمل التي تساق في الكلام معترضة فلا محلّ لها للتقرير » . قلت : يعني بكونها معترضة أي بين أحوال أهل الجنة ، فإنّ بعدها : وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ ، وإذا كانت معترضة فلا محلّ لها أيضا . وقيل : هي عطف على « قالوا » ، وقيل : محلّها النصب على الحال ، وصاحبها فاعل « قالوا » أي : قالوا هذا الكلام في هذه الحال ، ولا بدّ من تقدير « قد » قبل الفعل أي : وقد أتوا ، وأصل أتوا : أتيوا مثل : ضربوا ، فأعلّ كنظائره . وقرئ : وأتوا « 3 » مبنيا للفاعل ، والضمير للولدان والخدم للتصريح بهم في غير موضع . والضمير في « به » يعود على المرزوق الذي هو الثمرات ، كما أنّ « هذا » إشارة إليه . وقال الزمخشري : « يعود إلى المرزوق في الدنيا والآخرة لأنّ قوله : هذَا
--> ( 1 ) انظر ديوانه . المحتسب ( 1 / 183 ) ، الخزانة ( 2 / 203 ) ، شرح المعلقات للتبريزي ( 169 ) . ( 2 ) سورة النمل ، آية ( 34 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 115 ) .